المحكم ياسر عبدالله يكتب.. شيوخ الفضائيات.. لما الجاهل يفتي والعالم يتفرج

يوسف محمد رضا6 سبتمبر 20262 مشاهدةآخر تحديث :

لو فتحت شاشتك فلن تحتاج لأكثر من بضع دقائق حتى تجلس أمام مشهد بات يتكرر بوقاحة إستوديو فخم ومذيعة تبتسم بخبث وأمامها ضيف يرتدي ثوب المفكر التنويري وهو لا يحفظ جزءاً من القرآن ليفرغ سمه في ثوابت الأمة المشهد أصبح مسرحية رخيصة ومعادة يخرج علينا من لا يفقه ألف باء اللغة ليقرر فجأة أن سنة النبي ﷺ مجرد إجتهادات بشرية قديمة وأن الصحابة مجرد رواة غير موثوقين وأن الأمة عاشت أربعة عشر قرناً في ضلال حتى جاء هو ببدلته الأنيقة وشعره المصفف لينقذنا ويعلمنا ديننا

والحجة المعلبة الجاهزة دائماً نحن نكتفي بالقرآن فقط.

 

كلمة حق يُراد بها ألف باطل فمن يُسقط السنة لا يُعظم القرآن بل ينزع عنه سياقه العملي ليحوله إلى نص بلا تفاصيل وحينها يصبح النص الإلهي عجينة يفسرها كل جاهل حسب مزاجه وهواه يلغي الصلاة التي لا يعرف عدد ركعاتها إلا من السنة ويحلل الحرام ويعيد صياغة الدين ليوافق هوى الشارع ورضا الممولين.

 

سيرك الفضائيات..البيزنس القذر

السؤال الذي يحرق قلوب البسطاء كيف تصنع هذه القنوات من هؤلاء نجوماً بين ليلة وضحاها والحقيقة العارية التي يجب أن ندركها هي أن الشاشات الفضائية لم تكن يوماً مسجداً ولا محراباً للعلم إنها شركات تجارية تقتات على إقتصاد الإنتباه في عالم الميديا الحديث الفكرة الرصينة لا تباع والحديث الهادئ لا يجلب إعلانات ما يجلب الملايين من المشاهدات والنقرات هو إستفزاز المشاعر

القناة تستضيف شخصاً يعلم المخرج والمعد أنه يهرطق لسبب واحد بسيط لأن الناس ستغضب وستشتم وستشارك الفيديو على مواقع التواصل وبذلك ترتفع نسب المشاهدة وتتدفق أموال الإعلانات فهؤلاء ليسوا باحثين عن حقيقة بل أدوات في سيرك إعلامي يبيع مقدسات الناس في مزاد الأرباح.

 

فخ المناظرات.. لماذا يبدو العالم عاجزاً؟

الطعنة الأشد إيلاماً هي حين تنظم القنوات مناظرة تبدو عادلة ظاهرياً وتستضيف شيخاً أو أزهرياً يقف عاجزاً ومرتبكاً أمام لسان الضيف السليط وصوته العالي فيخرج المشاهد العادي بإنطباع كارثي وهنا المفكر إنتصر والشيخ لا يملك حجة ولكن الحقيقة أن هذا الفخ الإعلامي مُعد بعناية فالمناظرة التلفزيونية معركة إستعراض وليست بحثاً علمياً فهي قائمة على مقاطعة الخصم وإلقاء الشبهات السريعة الجذابة وإستخدام عبارات لاذعة في ثواني معدوده إن تفكيك الشبهة يحتاج تأصيلاً فرد العالم يحتاج سياقاً وتدقيقاً تاريخياً ولغوياً ووقتاً لا تتيحه الكاميرا التي تقاطعها المذيعة كل دقيقة لتدخل في فاصل إعلاني فغياب التدريب الإعلامي فالمؤسسة التقليدية ترسل أحياناً علماء يجلسون بعقلية قاعات الدرس القديمة غير مدركين أنهم في حلبة مصارعة تلفزيونية تكافئ الصوت الجهوري والجرأة على حساب الحجة والبرهان.

 

المنع أم المواجهة؟

الكثير يطالب بالمنع وقفل القنوات لكن في عصر الهاتف المحمول والإنترنت المفتوح المنع وحده فكرة عاجزة تنتمي للماضي فمنع أي شخص على التلفزيون يمنحه فوراً لقب البطل المظلوم ويجعل الملايين يبحثون عنه بفضول على يوتيوب ومنصات البودكاست فالممنوع مرغوب دائماً إن المعركة الحقيقية لا تُكسب بتكميم الأفواه بل بفضح الآلة

فالمسؤولية الكبرى تقع على المؤسسة الدينية التي يجب أن تستيقظ من نومها البيروقراطي فنحن لسنا بحاجة إلى شيوخ يكررون نصوص القرون الوسطى بلغة لا يفهمها شباب اليوم بل نحتاج إلى جيل جديد من العلماء يتقن أدوات الميديا ويفهم منطق التشكيك الحديث ويجيد النزول إلى ساحات النقاش بلغة ذكية تجمع بين عمق الدليل وجاذبية العرض

أما أنت أيها المشاهد البسيط والمثقف على حد سواء فدينك أثمن من أن تأخذه من مذيعة تبحث عن نسب مشاهدة أو من باحث شهرة لا يعرف كيف يتوضأ لا تمنحهم عيونك ولا وقتك فالتافه لا يكبر إلا بإهتمام من يستمع إليه.

الاخبار العاجلة