عبدالله البراك.. 300 نبتة نادرة تجد ملاذها في محمية خاصة بالبكيرية

أحمد زينهم16 سبتمبر 20263 مشاهدةآخر تحديث :
عبدالله البراك.. 300 نبتة نادرة تجد ملاذها في محمية خاصة بالبكيرية

في وقت تواجه فيه النباتات البرية تحديات متزايدة بسبب التصحر والرعي الجائر وتراجع الغطاء النباتي، اختار العميد المتقاعد عبدالله منصور البراك، المعروف بـ«أبو منصور»، أن يخوض تجربة مختلفة تقوم على جمع النباتات البرية النادرة والمحافظة عليها داخل مزرعته الخاصة في محافظة البكيرية بمنطقة القصيم.

 

ومنذ سنوات طويلة، ارتبط اسم البراك بالطبيعة والبيئة الصحراوية، إلا أن اهتمامه بالنباتات البرية لم يكن مجرد هواية عابرة، بل تحول مع مرور الوقت إلى مشروع شخصي للحفاظ على أنواع نباتية يخشى عليها من الاندثار.

 

ووفق ما نقلته وسائل الاعلام عنه، تمكن البراك من جمع وزراعة نحو 300 نوع من النباتات البرية الصحراوية الموجودة في المملكة، بينها أنواع نادرة كان بعضها مهددًا بالاختفاء من البيئات الطبيعية، ويرجع أبو منصور بداية اهتمامه بالنباتات البرية إلى سنوات طفولته، عندما كان يرافق والده الذي كان بدوره مهتمًا بالنباتات البرية.

 

ومع مرور السنوات، تحولت تلك المعرفة المبكرة إلى شغف متواصل، قبل أن تتخذ شكلًا أكثر تنظيمًا عندما بدأ يلاحظ التغيرات التي طرأت على البيئة الصحراوية.

 

ويقول البراك، بحسب ما نقلته «الوطن»، إن التصحر خلال العقود الماضية أسهم في تدمير العديد من النباتات، وهو ما دفعه إلى التفكير في جمع الأنواع التي يخشى عليها من الاندثار والعناية بها بعيدًا عن المخاطر التي تواجهها في البرية.

 

وبدأت الفكرة بجمع النباتات ورعايتها، ثم توسعت تدريجيًا حتى أصبح لديه مجموعة كبيرة من الأنواع البرية التي نجح في زراعتها والحفاظ عليها.

 

لم يكن الرقم الذي وصل إليه البراك مجرد مجموعة صغيرة من النباتات، إذ تمكن من زراعة نحو 300 نوع من النباتات البرية الصحراوية، معظمها من الأنواع النادرة.

 

ومن بين النباتات التي ذكرها البراك نبات أرطا النقاوي، الذي أشار إلى أنه لم يُشاهد منذ نحو 70 عامًا، وكان يستخدم قديمًا في تبخير الملابس، كما تضم المجموعة نباتات أخرى مثل شقائق النعمان، والشقر، واللويزة، والزعتر، وهي أسماء ترتبط بذاكرة البيئة البرية وتنوعها النباتي.

 

وتكتسب هذه التجربة أهميتها من كونها لا تقوم على الاحتفاظ بالنباتات فحسب، وإنما على محاولة إكثارها والمحافظة على بذورها وشتلاتها، بما يتيح استمرار وجودها وإمكانية الاستفادة منها في جهود التشجير والمحافظة على التنوع النباتي.

 

تحولت مزرعة البراك إلى مساحة تهدف إلى المحافظة على أنواع نباتية نادرة، لكن اهتمامه لم يتوقف عند حدود المكان، فقد أخذ على عاتقه أيضًا توفير بعض الشتلات والبذور النادرة للمحميات الخاصة والحكومية، في محاولة لتوسيع دائرة المحافظة على النباتات وعدم حصرها في موقع واحد.

 

وتعكس هذه الخطوة تصورًا يقوم على أن حماية النباتات المهددة لا يمكن أن تعتمد على جمعها فقط، بل تحتاج إلى إكثارها وتوزيعها في بيئات مناسبة، مع توفير الرعاية اللازمة لها، وفي هذا السياق، تصبح المحميات الخاصة إحدى المساحات التي يمكن أن تسهم في حفظ التنوع النباتي إلى جانب المحميات الرسمية والجهود الحكومية والمؤسسات البيئية.

 

وتأتي مبادرة البراك في ظل تحديات تواجه الغطاء النباتي الطبيعي في المملكة، وفق ما ورد في المادة الصحفية التي نشرتها «الوطن»، وأوضح الدكتور عبدالرحمن الصقير، الأستاذ في جامعة القصيم ورئيس مجلس إدارة جمعية «آفاق خضراء» البيئية، أن النباتات البرية تمثل موردًا طبيعيًا له أهمية اقتصادية وبيئية وعلمية وجمالية وثقافية.

 

وأشار إلى أن المملكة تضم قرابة 2250 نوعًا من النباتات الطبيعية، بينها أكثر من 100 نوع مهدد بالانقراض، بحسب ما أورده التقرير، ويرتبط تراجع الغطاء النباتي بعدد من العوامل، من بينها قطع الأشجار، والرعي غير المنظم، وأنشطة التعدين، ومقالع الصخور، إضافة إلى حركة المركبات في المناطق الصحراوية.

 

ويعد الرعي الجائر من أبرز العوامل التي يمكن أن تؤثر في قدرة البيئة على تجديد غطائها النباتي، خصوصًا عندما يتجاوز الضغط الرعوي قدرة المراعي على التعافي، كما يمثل الاحتطاب غير المنظم عاملًا آخر في تراجع أعداد الأشجار والشجيرات البرية، إلى جانب الأنشطة البشرية الأخرى التي تؤثر في البيئة الصحراوية.

 

وتؤدي إزالة الغطاء النباتي إلى سلسلة من التأثيرات البيئية، من بينها تعرية التربة وفقدان الموارد الرعوية وتراجع قدرة بعض المناطق على المحافظة على تنوعها النباتي، ومن هنا، فإن حماية النباتات المهددة بالانقراض لا ترتبط فقط بزراعتها في المحميات، وإنما تحتاج كذلك إلى حماية البيئات التي تنمو فيها طبيعيًا.

 

وفي مواجهة تراجع بعض الأنواع النباتية، تبرز المحميات الطبيعية والخاصة باعتبارها إحدى الوسائل التي يمكن من خلالها توفير بيئات أكثر حماية للتنوع الأحيائي.

 

وأشار الدكتور عبدالرحمن الصقير إلى أهمية التوسع في إنشاء المحميات الطبيعية، وتشجيع ودعم إنشاء المحميات الخاصة وتنظيمها بما يضمن استدامتها والاستفادة منها في حماية الأنواع النباتية، وفي هذا الإطار، تمثل تجربة محمية البراك في البكيرية نموذجًا لمبادرة فردية ارتبطت بالمحافظة على النباتات البرية وإكثار الأنواع النادرة.

 

ولا يمكن النظر إلى النباتات بمعزل عن بقية عناصر البيئة، فالنظام البيئي يقوم على علاقات متشابكة بين النباتات والحيوانات والتربة والمياه والمناخ، وأوضح أحمد البوق، المدير العام لمركز الأمير سعود الفيصل لأبحاث الحياة الفطرية بالطائف والمتحدث الرسمي للهيئة السعودية للحياة الفطرية، أن الحيوانات تؤدي أدوارًا مهمة في حيوية النظام البيئي وانتشار النباتات.

 

ومن الأمثلة التي أشار إليها اعتماد بعض النباتات على الطيور والثدييات في نقل بذورها، إذ يمكن أن تساعد عملية مرور البذور عبر الجهاز الهضمي لبعض الحيوانات في انتشارها إلى مناطق أخرى، لكن العلاقة نفسها قد تتحول إلى ضغط على النباتات عندما يتجاوز الرعي قدرة البيئة على التحمل، وهو ما يوضح أهمية إدارة الموارد الطبيعية بطريقة تحافظ على التوازن البيئي.

 

تجربة عبدالله البراك لا تنفصل عن علاقته الطويلة بالطبيعة؛ فهو لا يتعامل مع النباتات بوصفها مجرد عناصر في المشهد الصحراوي، وإنما باعتبارها جزءًا من تاريخ المكان وذاكرته البيئية، فكل نوع نباتي يحمل خصائصه وأسماءه وارتباطاته بالإنسان والبيئة، واختفاء أحد هذه الأنواع يعني فقدان جزء من التنوع الطبيعي الذي تشكل عبر فترات طويلة.

 

ولهذا فإن جمع الأنواع النادرة وإكثارها وحفظ بذورها وشتلاتها يمكن أن يمثل جزءًا من جهود المحافظة عليها، خصوصًا إذا ترافقت هذه الجهود مع حماية البيئات الطبيعية من العوامل التي أدت إلى تراجعها.

 

منذ أن بدأ عبدالله البراك مرافقة والده والتعرف على النباتات البرية، مرورًا بسنوات البحث والجمع والرعاية، وصولًا إلى زراعة مئات الأنواع في مزرعته، أخذ اهتمامه بالطبيعة مسارًا أكثر اتساعًا، فمحمية البراك في البكيرية لم تعد بالنسبة إليه مجرد مساحة خاصة، وإنما أصبحت مرتبطة بتجربة تهدف إلى الحفاظ على نباتات برية نادرة وإتاحة بعض الشتلات والبذور للمحميات الأخرى، وبينما تواجه البيئة الصحراوية تحديات متعددة، تظل مثل هذه المبادرات الفردية جزءًا من المشهد الأوسع للمحافظة على التنوع النباتي.

 

وفي قلب هذه التجربة يقف أبو منصور، العميد المتقاعد والمهتم بالبيئة والطبيعة، مواصلًا رحلته مع النباتات البرية، ومحتفظًا في محميته بأكثر من 300 نوع، بعضها من النباتات التي أصبحت نادرة في البرية، في محاولة لأن تبقى تلك الأنواع حاضرة في ذاكرة البيئة السعودية وأرضها.

الاخبار العاجلة