
حرص المشرع المصري على إحاطة مهنة المحاماة بضمانات قانونية تكفل للمحامي أداء رسالته في استقلال وحرية، باعتباره شريكًا أساسيًا في تحقيق العدالة وسيادة القانون، وليس امتيازًا شخصيًا للمحامي، وإنما ضمانة لحسن سير العدالة وحماية حقوق المتقاضين.
وقد نصت المادة (51) من قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 على أنه:
«لا يجوز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة.»
كما أوجبت المادة ذاتها على النيابة العامة إخطار مجلس النقابة العامة أو مجلس النقابة الفرعية قبل الشروع في التحقيق في أي شكوى ضد محام بوقت مناسب، وأجازت للنقيب أو لرئيس النقابة الفرعية، أو من ينيبه من المحامين، حضور التحقيق إذا كان المحامي متهمًا بجناية أو جنحة متعلقة بأعمال مهنته.
كذلك حول القانون لمجلس النقابة العامة أو مجلس النقابة الفرعية المختص الحق في الحصول على صور من التحقيقات دون رسوم.
ولتعزيز هذه الحماية، نصت المادة (54) من قانون المحاماة – بعد تعديلها بالقانون رقم 197 لسنة 2008 – على معاقبة كل من يتعدى على محام أو يهينه بالقول أو الإشارة أو التهديد أثناء أو بسبب تأدية عمله، بذات العقوبة المقررة للاعتداء على أحد أعضاء هيئة المحكمة، تأكيدًا للمكانة التي تحتلها مهنة المحاماة في منظومة العدالة.
وفي السياق ذاته، جاءت تعليمات النيابة العامة (الكتاب الأول) لتؤكد هذه الضمانات، حيث نصت المادة (587) على أنه إذا اتهم محام بارتكاب جناية أو جنحة لا صلة لها بمهنته، وجب على الشرطة إخطار النيابة العامة فورًا لتباشر التحقيق بنفسها، مع إخطار المحامي العام أو رئيس النيابة الكلية قبل البدء في التحقيق.
كما حظرت التعليمات على النيابة تكليف الشرطة بتحقيق الشكاوى المقدمة ضد المحامين أو إجراء أي استيفاءات بشأنها، وأوجبت أن يكون استدعاء المحامي للحضور إلى النيابة بكتاب رسمي أو بالاتصال الهاتفي المباشر، دون اللجوء إلى الشرطة في طلب حضوره.
وأوضحت المادة (588) أنه إذا كانت الشكوى تتعلق بأعمال المحاماة، جاز للمحامي العام أو رئيس النيابة الكلية الاكتفاء بطلب معلومات من المحامي، فإذا تبين عدم جدية الشكوى أو تم الصلح بين أطرافها، تعين حفظها، ما لم ير المحامي العام استطلاع رأي المحامي العام لدى محكمة الاستئناف.
كما أوجبت المادة (589) إرسال التحقيقات الخاصة باتهام المحامي بارتكاب جناية أو جنحة أو الإخلال بواجبات المهنة أو المساس بشرفها إلى المحامي العام لدى محكمة الاستئناف لاستطلاع الرأي قبل التصرف فيها، مع إحالتها إلى النائب العام إذا تبين وجود محل لإقامة الدعوى الجنائية أو التأديبية.
وأكدت المادة (593) من تعليمات النيابة العامة ذات المبدأ الذي قرره قانون المحاماة، فنصت على عدم جواز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة، مع وجوب إخطار مجلس النقابة أو مجلس النقابة الفرعية قبل مباشرة التحقيق، وإتاحة حضور النقيب أو رئيس النقابة الفرعية أو من ينيبه من المحامين إذا كان الاتهام متعلقًا بعمل المحامي.
ولا يهدف تقييد إجراءات تفتيش مكتب المحامي إلى منحه ميزة شخصية، وإنما إلى حماية رسالة الدفاع ذاتها؛ فمكتب المحامي يضم أوراقًا ومستندات تتعلق بحقوق وأسرار موكليه، ويجب أن تظل بمنأى عن أي عبث أو اطلاع غير مشروع. كما أن طبيعة عمل المحامي تجعله عرضة أحيانًا للبلاغات الكيدية من بعض الخصوم، الأمر الذي استوجب توفير هذه الضمانات القانونية حتى يؤدي رسالته في حرية وطمأنينة، دون خوف أو تأثير.
ومن ثم، فإن هذه النصوص ليست مجرد قواعد إجرائية، بل تمثل ضمانات أساسية لحماية حق الدفاع، وصون استقلال مهنة المحاماة، وترسيخ الثقة في منظومة العدالة وسيادة القانون.
والله الموفق.
محمد عادل فايد
المحامي وعضو اتحاد المحامين العرب


















